محمد سعيد رمضان البوطي
262
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر » . كما دلت هذه التوصية على مشروعية اجتهاد المسلمين في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ثالثا : لقد رأيت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نعى لأصحابه زيدا وجعفر وابن رواحة وعيناه تذرفان وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبينهم مسافات شاسعة بعيدة ! . . وهذا يدل على أن اللّه تعالى قد زوى لرسوله الأرض ، فأصبح يرى من شأن المسلمين الذين يقاتلون على مشارف الشام ، ما حدث أصحابه به ، وهي من جملة الخوارق الكثيرة التي أكرم اللّه بها حبيبه صلّى اللّه عليه وسلم . كما يدل هذا الحديث نفسه على مدى شفقته على أصحابه ، فلم يكن شيئا قليلا أن يبكي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو واقف في أصحابه يحدثهم عن خبر هؤلاء الشهداء . وأنت خبير أن بكاءه صلّى اللّه عليه وسلم عليهم ، لا يتنافى مع الرضى بقضاء اللّه تعالى وقدره فإن العين لتدمع والقلب ليحزن - كما قال عليه الصلاة والسلام - وتلك رقة طبيعية ورحمة فطر اللّه الإنسان عليهما . رابعا : وحديث نعيه صلّى اللّه عليه وسلم لهؤلاء الشهداء الثلاثة ، يسجل فضلا خاصا لخالد بن الوليد رضي اللّه عنه ، فقد قال لهم في آخر حديثه : « حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه حتى فتح عليهم » . وتلك أول وقعة يحضرها خالد رضي اللّه عنه في صف المسلمين ، إذ لم يكن قد مضى على إسلامه إلا مدة يسيرة . ومن هنا تعلم أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، هو الذي سجل لقب سيف اللّه ، لخالد رضي اللّه عنه . ولقد أبلى رضي اللّه عنه ، في هذه الغزوة بلاء رائعا ، روى البخاري عنه رضي اللّه عنه قال : « لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية » . قال ابن حجر : وهذا الحديث يدل على أن المسلمين قد قتلوا من المشركين كثيرا . هذا ، وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة : « يا فرّار ، فررتم في سبيل اللّه » ، فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم ، وتركوا الأرض التي قاتلوا فيها كما هي ولم يكن ذلك شأنهم في الغزوات الأخرى ، واكتفى خالد بذلك فكرّ عائدا إلى المدينة . ولكنه كما رأيت كان تدبيرا حكيما من خالد بن الوليد رضي اللّه عنه حفظا للمسلمين وهيبتهم التي انطبعت في أفئدة الروم ، ولذلك ردّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم عليهم قائلا : « ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار ، إن شاء اللّه » . فتح مكة وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . وسببها أن أناسا من بني بكر ، كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح . ( وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين ) ، فأجابوهم إلى ذلك ، وخرج حشد من